أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

299

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ جملة من مبتدأ أو خبر متسبّبة عمّا تقدّم . والمصدر هنا مضاف للفاعل ، وأتى ب « على » تنبيها على أنّ اللعنة قد استعلت عليهم وشملتهم . وقال « على الكافرين » ولم يقل « عليهم » إقامة للظاهر مقام المضمر لينبّه على السبب المقتضي لذلك وهو الكفر . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 90 ] بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ( 90 ) قوله تعالى : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا . . بئس : فعل ماض غير متصرف ، معناه الذمّ ، فلا يعمل إلا في معرّف بأل ، أو فيما أضيف إلى ما هما فيه ، أو في مضمر مفسّر بنكرة ، أو في « ما » على قول سيبويه . وفيه لغات : بئس بكسر العين وتخفيف ، هذا الأصل ، وبئس بكسر الفاء اتباعا للعين وتخفيف ، هذا الاتباع ، وهو أشهر الاستعمالات ، ومثلها « نعم » في جميع ما تقدّم من الأحكام واللغات . وزعم الكوفيون أنهما اسمان ، مستدلّين بدخول حرف الجر عليهما في قولهم : « ما هي بنعم الولد نصرها بكاء وبرّها سرقة » ، « ونعم السير على بئس العير » وقوله : 613 - صبّحك اللّه بخير باكر * بنعم طير وشباب فاخر « 1 » وقد خرّجه البصريون على حذف موصوف ، قامت صفته مقامه تقديره : ما هي بولد مقول فيه نعم الولد ، ولها أحكام كثيرة ، ولا بدّ بعدها من مخصوص بالمدح أو الذمّ ، وقد يحذف لقرينة ، هذا حكم بئس . أمّا ، « ما » الواقعة بعدها كهذه الآية : فاختلف النحويون فيها اختلافا كثيرا ، واضطربت النقول عنهم اضطرابا شديدا ، فاختلفوا : هل لها محلّ من الإعراب أم لا ؟ فذهب الفراء إلى أنها مع « بئس » شيء واحد ركّب تركيب « حبّذا » ، نقله ابن عطية ، ونقل عنه المهدوي أنه يجوّز أن تكون « ما » مع بئس بمنزلة كلّما ، فظاهر هذين النقلين أنها لا محلّ لها . وذهب الجمهور إلى أنّ لها محلا ، ثم اختلفوا : محلّها رفع أو نصب ؟ فذهب الأخفش إلى أنها في محلّ نصب على التمييز والجملة بعدها في محلّ نصب صفة لها ، وفاعل بئس مضمر تفسّره « ما » ، والمخصوص بالذمّ هو قوله : « أَنْ يَكْفُرُوا » لأنه في تأويل مصدر ، والتقدير : بئس هو شيئا اشتروا به كفرهم ، وفيه قال الفارسي في أحد قوليه ، واختاره الزمخشري ، ويجوز على هذا أن يكون المخصوص بالذمّ محذوفا ، و « اشتروا » صفة له في محلّ رفع تقديره : بئس شيئا شيء أو كفر اشتروا به ، كقوله : 614 - لنعم الفتى أضحى بأكناف حائل « 2 » أي : فتى أضحى ، و « أن يكفروا » بدل من ذلك المحذوف ، أو خبر مبتدأ محذوف أي : هو أن يكفروا . وذهب الكسائي إلى أنّ « ما » منصوبة المحلّ أيضا ، لكنه قدّر بعدها « ما » أخرى موصولة بمعنى الذي ، وجعل الجملة من قوله « اشتروا » صلتها ، و « ما » هذه الموصولة هي المخصوص بالذمّ ، والتقدير : بئس شيئا الذي اشتروا

--> ( 1 ) البيت في الهمع ( 2 / 84 ) ، العيني ( 4 / 52 ) ، الأشموني ( 3 / 27 ) ، الدرر ( 2 / 108 ) . ( 2 ) البيت عند العكبري في إملائه ( 1 / 51 ) .